جمال الدين بن نباتة المصري

398

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

يصيد ومعه عبد عمرو بن بشر - وكان طرفة هجاه - فرمى عمرو حمارا ، وقال لعبد عمرو : انزل فاذبحه ، فنزل إليه فعالجه ، فأعياه ، فقال عمرو : قد عرفك طرفة حيث يقول فيك : ولا خير فيه غير أنّ له غنى * وأنّ له كشحا إذا قام أهضما « 1 » فقال له عبد عمرو : وما هجاك به أشدّ ، قال : وما هو ؟ قال : قوله : فليت لنا مكان الملك عمرو * رغوثا حول قبّتنا تخور فهمّ بقتل طرفة ، وخاف من هجاء المتلمّس له ، وأن يجتمع عليه بكر بن وائل متى قتلهما ظاهرا ، فقال لهما يوما : أظنّكما قد اشتقتما إلى الأهل ! قالا : نعم ، فكتب لهما كتابين إلى عامل البحرين ، وقال : إنّى كتبت لكما بصلة فاقبضاها من عامل البحرين ، فخرجا من عنده والكتابان في أيديهما ، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق ، منكشفا يقضى حاجته ، وهو مع ذلك يأكل ويتفلّى ، فقال أحدهما لصاحبه : هل رأيت أعجب من هذا الشيخ ! فسمع الشيخ مقاله ، فقال : ما ترى من عجبي ! أخرج خبيثا ، وأدخل طيّبا ، وأقتل عدوّا ! وإنّ أعجب منّى من يحمل حتفه بيده وهو لا يدرى ! فأوجس المتلمّس في نفسه خيفة ، وارتاب بكتابه ، فلقيه غلام من أهل الحيرة ، فقال له : أتقرأ يا غلام ؟ فقال له : نعم ، ففضّ كتابه ، فقرأه ، فإذا فيه : إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه ، واصلبه حيّا . فأقبل على طرفة ، فقال : واللّه لقد كتب لك بمثل هذا ، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه ، فقال : كلّا ، ما كان ليجترئ على قومي بمثل هذا ، وأنا أقدم عليهم فأكون أعزّ منه . فألقى المتلمّس صحيفته في نهر الحيرة « 2 » ، وقال :

--> ( 1 ) ديوانه 141 . ( 2 ) ديوانه 92 .